فخر الدين الرازي

87

مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )

تكون قريبة من التشابه . أما ثمارها فتكون مختلفة ، ومنهم من يقول : الأشجار متشابهة والثمار مختلفة ، والرابع : أقول إنك قد تأخذ العنقود من العنب فترى جميع حباته مدركة نضيجة حلوة طيبة إلا حبات مخصوصة منها بقيت على أول حالها من الخضرة والحموضة والعفوصة . وعلى هذا التقدير : فبعض حبات ذلك العنقود متشابهة وبعضها غير متشابه . والبحث الثاني : يقال : اشتبه الشيئان وتشابها كقولك استويا وتساويا ، والافتعال والتفاعل يشتركان كثيرا ، وقرئ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ . والبحث الثالث : إنما قال مشتبها ولم يقل مشتبهين إما اكتفاء بوصف أحدهما ، أو على تقدير : والزيتون مشتبها وغير متشابه والرمان كذلك كقوله : رماني بأمر كنت منه ووالدي * بريا ومن أجل الطوى رماني ثم قال تعالى : انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ وفيه مباحث : البحث الأول : قرأ حمزة والكسائي ثمره بضم الثاء والميم ، وقرأ أبو عمرو ثمره بضم الثاء وسكون الميم والباقون بفتح الثاء والميم . أما قراءة حمزة والكسائي : فلها وجهان : الوجه الأول : وهو الأبين أن يكون جمع ثمرة على ثمر كما قالوا : خشبة وخشب . قال تعالى : كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ [ المنافقون : 4 ] وكذلك أكمة وأكم . ثم يخففون فيقولون أكم . قال الشاعر : ترى الأكم فيها سجدا للحوافر والوجه الثاني : أن يكون جمع ثمرة على ثمار . ثم جمع ثمارا على ثمر فيكون ثمر جمع الجمع ، وأما قراءة أبي عمرو فوجهها أن تخفيف ثمر ثمر كقولهم : رسل ورسل . وأما قراءة الباقين فوجهها : أن الثمر جمع ثمرة ، مثل بقرة وبقر ، وشجرة وشجر ، وخرزة وخرز . والبحث الثاني : قال الواحدي : الينع النضج . قال أبو عبيدة : يقال ينع يينع ، بالفتح في الماضي والكسر في المستقبل . وقال الليث : ينعت الثمرة بالكسر ، وأينعت فهي تينع وتونع إيناعا وينعا بفتح الياء ، وينعا بضم الياء ، والنعت يانع ومونع . قال صاحب « الكشاف » : وقرئ وَيَنْعِهِ بضم الياء ، وقرأ ابن محيصن ويانعه . والبحث الثالث : قوله : انْظُرُوا إِلى ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ أمر بالنظر في حال الثمر في أول حدوثها . وقوله : وَيَنْعِهِ أمر بالنظر في حالها عند تمامها وكمالها ، وهذا هو موضع الاستدلال والحجة التي هي تمام المقصود من هذه الآية . ذلك لأن هذه الثمار والأزهار تتولد في أول حدوثها على صفات مخصوصة ، وعند تمامها وكمالها لا تبقى على حالاتها الأولى ، بل تنتقل إلى أحوال مضادة للأحوال السابقة ، مثل أنها كانت موصوفة بلون الخضرة فتصير ملونة بلون السواد أو بلون الحمرة ، وكانت موصوفة بالحموضة فتصير موصوفة بالحلاوة ، وربما كانت في أول الأمر باردة بحسب الطبيعة ، فتصير في آخر الأمر حارة بحسب الطبيعة ، فحصول هذه التبدلات والتغيرات لا بد له من سبب ، وذلك السبب ليس هو تأثير الطبائع والفصول والأنجم والأفلاك ، لأن نسبة هذه الأحوال بأسرها إلى جميع هذه الأجسام المتباينة متساوية متشابهة ، والنسب المتشابهة لا يمكن أن تكون أسبابا لحدوث الحوادث المختلفة ، ولما بطل إسناد حدوث هذه الحوادث إلى الطبائع والأنجم والأفلاك